نساء على رصيف الحياة | والشمس هلت بالأمل عالشقيانين

نساء على رصيف الحياة | والشمس هلت بالأمل عالشقيانين

 

نساء على رصيف الحياة

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. 

 

رزق يوم بيوم زي الصيادين، تراهم حولك على الأرصفة وحول المصالح الحكومية.

يتحايلون على سبل الرزق ببيع منتجاتهم البسيطة التي قد يكون معظمها منتجات يدوية 

أو أطعمة صنعت في المنازل أو حتى مخبوزات بسيطة صنعت في أفران عادية في بيوتهن.

بائعات الرصيف

هو مصطلح يطلق على سيدات قررن الاتجاه للشارع وبالتحديد الرصيف منه يفترشنه ويعرضن تك البضاعة.

 

أبسط الصعوبات التي تعترض سبيل بائعات الرصيف هي مضايقة أصحاب المحال لهن وكذلك مهاجمة شرطة المرافق.

نساء على رصيف الحياة
نساء على رصيف الحياة

النساء اللاتي تحدثت معهن هنا، سواء كن من الفلاحات أو قاطنات المدينة، منهن من استطاعت أن ترفع مستواها الاقتصادي، ومنهن من بالكاد يكفي دخلها احتياجات أسرتها، مع

الاعتماد أحياناً على مساعدات الناس، وهناك من تحصل على معاش من الحكومة (5).

وهن يتحملن المسئولية الاقتصادية للأسرة، أو على الأقل الجانب الأكبر منها، بسبب مرض الزوج وعدم قدرته على العمل، أو الانفصال عنه، أو عدم كفاية راتبه.

وقد تراوحت أعمارهن بين الأربعينيات والستينيات، وهن من غير المتعلمات (6).

صابرين: بائعة الخضار

كل صباح، بإمكانك أن ترى صابرين تحمل شوالات الخضار فوق رأسها.

 

يضع لها عامل عربة النقل الواقفة في شارع السوق شوالاً تلو الآخر لتنقلها هي تباعاً إلى مكان فرشها القريب، ولكنّ الأحمال الثقيلة تزيد المسافات.

كانت تأتي إلى السوق منذ طفولتها مع والدتها التي كانت تعول الأسرة، حيث كان الأب مسنّاً.

وسرعان ما تعلّمت وصارت تبيع وتكسب، وحلّت محلّ أمها بعد وفاتها، وكانت لا تزال في الثانية عشرة من عمرها. “كنت صغيّرة قوي بس كنت واعية محدش يقدر يضحك عليّ عشان نزلت السوق بدري”.

تقول صابرين إنها تنفق على أسرتها منذ أن كان عمرها 9 سنوات، “كل يوم كنت باجيب لابويا 20 جنيه في إيده” لينفق منها على البيت الذي يضم تحت سقفه العديد من الأبناء.

ومن عملها أيضا “شوّرت نفسي وشوّرت أختي” (الشُّوار هو جهاز العروس).

في العشرين تزوّجت، وانقطعت عن السوق عشر سنوات.

كانت تقيم خلالها في منزل عائلة ممتدة. ولردّ ديْن وبناء بيت مستقل على نصيب زوجها من أرض أبيه (وزّعها في حياته على أولاده الذكور)، قررت النزول إلى السوق مجدداً، ولكن هذه المرة مع زوجها.

ولكنه ما لبث أن مرض، وترك علاجه آثاراً على صحته فبات غير قادر على النزول معها والسفر يومياً من المحافظة التي تبعد عن الإسكندرية 4 ساعات.

فصار عبء العمل عليها وحدها.

تستيقظ في الثالثة فجراً أو قبل ذلك بقليل، وتعود إلى بيتها في الثامنة مساء.

من عزبتها البعيدة تبدأ رحلتها اليومية حيث تركب إلى سوق طنطا تتسوق من التجار أو الفلاحين، تحمّل بضاعتها – كغيرها من الفلاحات – على عربة نقل، ثم تركب هي إلى محطة قطار طنطا الذي يأخذها إلى الإسكندرية. والرحلة معكوسة في العودة.

كانت تأتي إلى السوق منذ طفولتها مع والدتها التي كانت تعول الأسرة، حيث كان الأب مسنّاً.

وسرعان ما تعلّمت وصارت تبيع وتكسب، وحلّت محلّ أمها بعد وفاتها، وكانت لا تزال في الثانية عشرة من عمرها.

تقول صابرين إنها تنفق على أسرتها منذ أن كان عمرها 9 سنوات.

تقول إن متوسط ربحها اليومي هو 250 جنيهاً، وقد يزيد الى 400 أو 500، ويمكن أيضا أن يمرّ يوم ولا تبيع، “وأبقى خسرت فلوس المواصلات ونقل الخضار والقعدة في السقعة من غير فايدة”.

كما أنها تدفع لصاحب محل الفاكهة المجاور لفرشها 1500 جنيه شهرياً، بواقع 50 جنيهاً يومياً، وهو مبلغ ثابت لا علاقة له بمكسبها من عدمه.

استطاعت من خلال عملها أن تسدّد دينها، وأن تبني بيتاً من 4 طوابق، تقطن هي في الطابق الأرضي “مجهزاه سوبر لوكس”، بينما تجهز لأبنائها الطوابق العلوية.

الكبرى مَلَك في الجامعة، والصغرى رشا 4 سنوات.

تعتبر نفسها “ربّة الأسرة” فهي مصدر الدخل الأساسي ومن تدير الميزانية، وتؤكد في الوقت نفسه أن بينها وبين زوجها تفاهماً وثقة متبادلة.

 

يملك هو عدة قراريط مؤجّرة “الأرض مش جايبة همها ولا ليها لازمة ما تبنيش مستقبل”.

تعب زوجها لم يزد العبء على عاتقها فقط، بل صارت أيضاً تتعرض لتحرّشات لفظية من الزبائن والبائعين على حد سواء “جوزك ده أعمى، اللي زيّك ما تشتغلش، المفروض تتحطي في فاترينة، يا ريتك كنتِ مراتي..”. في الحمام العمومي القريب، المخصص أصلاً لرجال السوق، تقضي صابرين حاجتها وتتوضأ، وتصلي على كرسيها الخشبي بجوار فرشها، بعد إصابتها في ركبتها عندما وقعت من على رصيف المحطة وهي تنقل “حلّة الجبنة”، إلى جانب آلام ظهرها (7).

عندما كانت حاملاً في ابنتها الصغرى، ظلت تمارس عملها حتى الأسبوع الأخير قبل الولادة، حتى وهي حامل كانت تحمل الأشولة الثقيلة.

وبعد 40 يوماً من الولادة استأنفت العمل وكانت تصطحب معها الرضيعة.

تقول إن اصطحاب الفلاحات لأطفالهن الرضّع أمر معتاد.

لاحقاً كانت تتركها في عناية ابنتها الكبرى، واضطرت لأن تفطمها مبكرا حيث كانت تغيب عنها 14 ساعة يومياً.

زوجها كان يأتي معها، ولكنه مرض، فبات غير قادر على النزول معها والسفر يومياً من المحافظة التي تبعد عن الإسكندرية 4 ساعات. صار عبء العمل عليها وحدها.

تستيقظ في الثالثة فجراً أو قبل ذلك بقليل، وتعود إلى بيتها في الثامنة مساء. تعتبر نفسها “ربّة الأسرة” فهي مصدر الدخل الأساسي ومن تدير الميزانية.

وعلى الرغم مما حققته من نجاح مادي، تتمنى صابرين لو “تتستت وتقعد مع عيالها”، وقالت إنها سوف تتوقف عن العمل بعد أن تؤمّن مستقبل أبنائها الذين لا تريدهم أن يعيشوا حياة الحرمان التي عاشتها هي.

ولكنها راضية، ترى القدر هو من حدّد لها طريقها.

حتى ابنتها لا تريد لها أن تتوظف بعد تخرجها، تريد أن يكون زوجها هو من يشقى بينما ترتاح هي.

أحيانا تراقب زبوناً وزوجته مثلاً يتبادلان الحوار قبل الشراء “ناكل إيه النهارده؟” فيثير ذلك في نفسها أشياء: “أنا عمري ما حد قال لي كده”.

سعاد: بائعة الجوارب

على أحد أرصفة منطقة هادئة وبعيدة عن الأسواق، تجلس سعاد (60 عاما)، بعباءتها ونقابها الأسودين، حيث تبيع الجوارب والكوفيّات ولوازم المحجبات والمنتقبات من قفازات ومعاصم… تقول إنها تعمل في هذه المهنة منذ ثلاثين عاماً.

بدأت ببضاعة بسيطة بجوار منزلها بأحد الأحياء الشعبية إلى أن استقرت على وضعها الحالي.

توفي والدها وهي لا تزال في أول أعوامها بالمدرسة، فلم تكمل لا هي ولا إخوتها تعليمهم بسبب الفقر “مين هايأكلنا؟”. تزوجت مبكرا، ومن زواجها الثاني أنجبت أبناءها الأربعة، وكان الزوج عاطلاً يعتدي عليها بالضرب إلى جانب تناوله الخمور.

تشير، وهي ترتدي قفازاً مثقوباً، إلى آثار وندوب على جبهتها وذراعها، حتى أسنانها الأمامية، التي لا أراها، تقول إنها سقطت جراء الضرب. اضطرت للعمل لتعيل أبناءها، فاقترضت من إحدى قريباتها 16 جنيهاً كانت كل رأس مالها لشراء بضاعة وبيعها كما رأت غيرها يفعل.

صار الزوج العاطل يطلب منها المال وعندما ترفض يعنّفها، كما اعتدى على “فرشتها” فكانت تضطر لتغيير مكانها. رفعت دعوى طلاق وحصلت عليه.

 

لم تفكر في الزواج ثانية حتى لا تأتي لأبنائها ب”زوج أم”، كما عانت هي من قبل، وصاروا هم كل همها وأملها في الحياة. وكبر الأبناء وتزوجوا، ولم ترد أن تمتهن بناتها مهنتها وفضّلت لهن الزواج “الواحدة لما يكون معاها قرش تتمِرِع (تتكبر) على جوزها”.

ولكن ابنتها سارت على خطاها بعد طلاقها.

علمتها الأم وصار لها “فرش” في منطقة أخرى. بينما يعمل ابن آخر لها على “فرشة شاي” بجوار أحد المولات.

توفي والدها وهي طفلة فلم تكمل لا هي ولا إخوتها تعليمهم: “مين هايأكلنا؟”. تزوجت مبكراً، وكان الزوج عاطلاً يعتدي عليها بالضرب إلى جانب تناوله الخمور.

تشير، وهي ترتدي قفازاً مثقوباً، إلى آثار وندوب على جبهتها وذراعها، وحتى أسنانها الأمامية التي لا أراها، تقول إنها سقطت جراء الضرب.

تستيقظ كل صباح في الخامسة فجراً، وفي رحلتها اليومية إلى العمل تأخذ التوكتوك من محل إقامتها في إحدى المناطق الشعبية إلى الرصيف الذي تضع عليه بضاعتها على فرش بلاستيكي وتجلس أمامها على كرسي مرتفع.

في الثالثة عصراً تعود في التوكتوك مرة أخرى “عشرين جنيه رايح وعشرين جنيه جيّ” إلى البيت حيث تقيم مع ابنها، لتؤدي الأعمال المنزلية من طبيخ وخلافه.

تقول إن ما تجنيه يكفي بالكاد لتغطية مصاريفها، فإيجار شقتها وحده يبلغ 450 جنيهاً شهرياً بخلاف المياه والكهرباء (8).

كما أنها تساعد ابنتها المطلقة، وأحيانا زوج ابنتها عندما يحتاج.

وتمثل مساعدات الناس جزءا مهماً من دخلها، إلى جانب معاش اجتماعي قدره 320 جنيهاً شهرياً.

تحب سعاد عملها ومعرفة الناس بدلاً من “قعدة البيت”، وتقول إن عملها أكسبها خبرة بالحياة والناس “أبو دقن يكفيكِ شرّه”. كما أنها تفضّل العمل الحر على العمل في مصنع مثلا “أحسن ما صاحب الشغل يشخط فيّ أو يقول لي كاني وماني”.

وعندما سألتها عن صعوبات مهنتها أجابتني”الشيل والحطّ”، وفِصال الزبائن. في يوم ممطر، وضعت أكياساً على رأسها واحتمت بالشجرة المجاورة، وعندما ساء الجو أكثر مكثت في المنزل مما أثر على ميزانيتها. ولأن المسجد المجاور لا مكان فيه للنساء، لا تستطيع قضاء حاجتها إلا عندما تعود للمنزل مساء.

نساء على رصيف الحياة
نساء على رصيف الحياة

سَمْرة: بائعة الجبن

بجوار مدخل إحدى العمارات تجلس سمرة، المرأة الخمسينية، لتبيع الجبن القريش والبيض، يومياً من الصباح حتى قبيل المغرب. تعمل في هذه المهنة وفي المكان نفسه، بمحيط إحدى أسواق المدينة، منذ 37 عاماً، وقد أكملت المسار بعد رحيل حماتها شابّة، الأرملة التي تركها زوجها مبكراً هي وستة أطفال “قعدت عليهم، ومن الشغلانة دي صرفت عليهم وربّتهم، لكن بعد كده تعبت وماتت صغيّرة”.

تقول سمرة التي تأتي من إحدى عزب محافظة البحيرة إن عمل حماتها هو الذي أمرضها، لتأخذ هي مكانها، “هي اللي علمتني وكانت بتدعي لي لغاية آخر وقت”، فقد تكفّلت سمرة وزوجها، الابن الأكبر، بتعليم باقي الإخوة وتزويجهم بعد رحيل الأم ومن قبلها الأب، إلى جانب أبنائهما، والآن لم يتبق لدى سمرة سوى ابنتها الصغرى التي لا تزال تدرس في المرحلة الثانوية، وتحلم باليوم الذي تراها فيه في “بيت العَدَل”.

زوج سمرة كان عاملاً بإحدى شركات الغزل والنسيج بمحافظة البحيرة، ولكنه – مثل زملائه – أخرج على المعاش المبكر “طلّعوه معاش مبكر حتى لا يعطوه معاشه كاملاً، كل الشركات والمصانع بتتقفل، ماعادش فيه شركات ومصانع، كله اتباع” تقول سمرة إنها حزينة على الشباب الذين صاروا يعملون بلا تثبيت أو تأمين، ومن بينهم ابنها الذي يعمل في أحد المحلات، وهو متزوج ويعول.

ورغم أن سمرة ورثت هذه المهنة عن حماتها، فإنها لم ترد قط أن تورّثها بناتها “ربنا ما يكتبها على حد، شقا يا بنتي، صحيان بدري وبهدلة وشيلة، ومحدش يقدر دلوقتي من الأجيال الجديدة يتحمل ده كله” (9).

أكملت المسار بعد رحيل حماتها شابّة، الأرملة التي تركها زوجها مبكراً هي وستة أطفال “قعدت عليهم، ومن الشغلانة دي صرفت عليهم وربّتهم، لكن بعد كده تعبت وماتت صغيّرة”.

وبينما تقف زبونة لشراء جبن قريش، تنادي سمرة على أحد عمال السوق وتطلب منه أن يشتري لها بعضاً من الفول – فطورها الصباحي – من عربة الفول القريبة، فيأتيها به ساخناً في كيس بلاستيكي بعد قليل. تخبرني عن جبنها “الجبنة دي بنجيبها من العزب، من البيوت، دي جبنة بيوت أحسن من جبنة المصانع، فيه ناس (بائعون آخرون) بيشتروا من المصانع بس دي أحلى”.

حينما تأتي حملات الإزالة، تُدخل سمرة بسرعة بضاعتها إلى البوابة التي تفرش أمامها وتغلق الباب “وافضل ابصّ عليهم من الخُرْمة” إلى أن ينصرفوا فتستأنف نشاطها. في بعض الأحيان يكون هناك “أناس طيبون” يتغاضون عنها، لكن عندما تكون الحملة كبيرة “ربنا يكفينا الشر”.

زوج سمرة كان عاملاً بإحدى شركات الغزل والنسيج بمحافظة البحيرة، ولكنه – مثل زملائه – أخرج على المعاش المبكر “طلّعوه معاش مبكر حتى لا يعطوه معاشه كاملاً، كل الشركات والمصانع بتتقفل، ماعادش فيه شركات ومصانع، كله اتباع”.

تقول سمرة إنها لا تمتلك أرضاً، ولكنها سعيدة أنها استطاعت – من خلال عملها هذا – أن تعلّم وتزوِّج، وهي تبدو راضية تمام الرضا “ربنا كرمني آخر كرم.. يمكن ده من دعا حماتي ليا”.

أدّت العمرة مرتين، وتتمنى الآن أن تزوّج الابنة الصغرى وتطمئن عليها، وأن تنال “حجّة هنيّة”.

نساء على رصيف الحياة
نساء على رصيف الحياة

آمال: صانعة الفطير

بداخل البوابة الواسعة لإحدى العمارات، في منطقة من المناطق ذات الدخل المرتفع بالمدينة، تقف شابة مهندمة خلف منضدة عليها فطير وأنواع أخرى من المخبوزات بيتية الصنع.

خلف الشابة، التي يمكن أن يلمحها بسهولة المارّون بالطريق، باب صغير ربما لا ينتبه إليه المشترون، رغم أن بداخله أصل الحكاية، غير البادي للعيان.

فإذا دخلت من هذا الباب، ستجد نفسك في حجرة ضيقة ذات إنارة ضعيفة، لولاها كادت الحجرة تغرق في الظلام حتى إن كنا في وضح النهار. فرن وأنبوبة غاز صغيرة، وراديو من الطراز القديم معلّق على الحائط، وكرسي بلاستيكي وحيد بلا ظهر، أصرّت السيدة وابنتها، المرحّبتان، أن أجلس عليه.

ألمح، بجوار الحائط القريب، طبقاً صغيراً به بعض الجبن والطماطم. على الجانب الآخر باب يؤدي – كما قيل لي – إلى الحمّام ومنور العمارة. في المنتصف وُضعت على منضدة مرتفعة طبليّة خشبية، تخبز عليها الأم الفطير، وهي واقفة مرتدية الجلباب البيتي الذي تعلوه آثار الدقيق. من الطبلية إلى الفرن، ومن الفرن إلى المنضدة الخارجية حيث يوضع الفطير الساخن في أكياس بلاستيكية ليُعرض بانتظار الزبائن.

تبلغ “آمال” من العمر 42 عاما، متزوجة من حارس العقار ولديهما خمسة أبناء، الكبرى ذات العشرين عاماً تزوجت مؤخراً، وأصغرهم في المرحلة الابتدائية.

هذه الحجرة الصغيرة التي تخاصمها الشمس كانت هي سكن الأسرة لسنوات، ولكنها ضاقت عندما كبر الأبناء وزاد عددهم، فاستأذنت الأم من صاحب العقار للإقامة فوق السطوح “في غرف الغسيل” على حد تعبيرها، لتتحول الحجرة إلى “المصنع” الذي تعد الأم فيه منتجاتها.

بداخل البوابة الواسعة لإحدى العمارات، في منطقة ذات دخل مرتفع بالمدينة، تقف شابة مهندمة خلف منضدة عليها فطير وأنواع أخرى من المخبوزات بيتية الصنع.

خلف الشابة التي يمكن أن يلمحها بسهولة المارّون بالطريق، باب صغير ربما لا ينتبه إليه المشترون، رغم أن بداخله أصل الحكاية.

كان الزوج يعمل “حدّاد مسلح” ، ولكنه أصيب في “عَرْكة” حين تدخل ليفض الاشتباك فضربه أحدهم بـ “النبّوت” كما تحكي الزوجة، مما أدى إلى خلع مفصل كتفه، ومن وقتها لم يعد يستطيع العمل. كان ذلك قبل عشر سنوات.

كانت آمال تعمل في البيوت، لكنها تقول إنها لم تعد تتحمل هذا العمل بسبب آلام ظهرها “معدتش باقدر أشيل ولا أحط مراتب” فكان البديل هذا المشروع، كي تتمكن من توفير نفقات الأسرة، لا سيما أن الزوج لم يعد قادراً على توفير أي دخل، باستثناء ال 500 جنيه التي يحصل عليها من اتحاد الملاك، “ما بيديناش منهم مليم، بيقول ما تكفنيش سجاير”، بل أحيانا يطلب منها أن تعطيه مما تكسبه فترفض: “أنا عندي بنات باشوّرها واعلّمها”.

ليست آلام الفقرات وحدها هي ما تعاني منه آمال، بل أيضا انسداد في شرايين يدها مما يجعلها بحاجة إلى عملية “تسليك”، ولكنها تخشى إجراءها خوفاً من أية مضاعفات قد تعجزها عن العمل ولا أحد يسدّ مكانها، خاصة أنها سوف تجريها في مستشفى حكومي “أديني متصلّبة وخلاص”. علّة يديها تجعلها غير قادرة على حمل الأشياء، ويزداد الألم ليلا حيث تشعر فيها بالتنميل أو ما يشبه الشلل. “كل يوم أصحى الصبح أقول يا رب ساعدني، وبيساعدني”.

يبدأ يوم آمال في الخامسة فجراً، تنزل الحجرة وتستمر في العمل حتى الرابعة أو الخامسة، تساعدها ابنتها التي تؤدي عنها أيضاً الأعمال المنزلية.

وأحياناً، عندما تتبقى بضاعة، تحملها لتطوف بها على بيوت بعض الأسر ممن تعرف، لعلهم يشترون.

أما الموظفات ذوات المكاتب فهنّ “مرتاحين، بيشربوا الشاي، راحوا الشغل ما راحوش الشغل مرتباتهم ثابتة، إحنا لو قعدنا يوم مش هانلاقي”.

في موسم الصيف، وفي رمضان، حيث يقل الطلب على الفطير، تقوم ببيع التين الشوكي أو الفاكهة أمام العمارة “المطالب ياما وكل ده مش هايسد”، تقول إن شقق العمارة مؤجرة على النظام القديم (5 أو 10 جنيهات شهريا) ومن ثم لا يعطيها السكان إلا القليل، إن أعطوها، ولم يعد أحد يعطي بدون مقابل، وهي لم تعد قادرة على الخدمة.

تقول إن هناك من يعرفها (من خارج العمارة) يعطيها “شهرية”. وهناك من ساعدها في تجهيز ابنتها الكبرى. أما الجمعيات الخيرية فترى – من خلال تعاملها مع بعضها – أنها لا توصّل أموال المتبرعين التي تقدّر بالآلاف إلى المحتاجين، وأن الأفضل أن يعطي المتبرع مباشرة للناس دون وسيط.

أنا بقى لي 25 سنة في الشقاء والتعب، باشوف ستات مستريّحة، أجوازهم يقولوا لهم عايزة إيه أجيب لك معايا؟ أنا عمري ما حد قال لي كده!”… كلمة صابرين نفسها!

يؤرّق آمال برد الشتاء، وعدم كفاية البطاطين، والهواء البارد الداخل من الشبابيك المكسورة، وعدم قدرتها على شراء بلوفر، وكثرة الطلبات، وغلاء الأسعار، وصفيحة العسل التي اشترتها بمئتي جنيه لتقدمها لزبائنها مع الفطير لتكتشف أن التاجر غشّها بالماء، وتغيّر طباع الزوج وسوء معاملته “لما تكوني بتتعبي وتشقي بس تلاقي كلمة كويسة، لكن لما ما تلاقيش..”.

ويؤرقها الشقاء اليومي الذي يبدو بلا آخر “عايشين المأساة كل يوم، اللي النفر بيبات فيه بيصبح فيه، أهي عيشة وآخرها الموت، أيام معديّة وهانموتوا وخلاص.. نصيبنا كده يمكن يبقى لنا نصيب حلو في الآخرة”.

 

صفحتنا الرسمية فرندة – Farandh

شارك المقالة

اترك تعليقاً